عادل عبد الرحمن البدري
60
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام
تفاصيلها ومؤسساتها ورجالاتها ، قدّمها عليّ ( ع ) بفكره الثاقب بين يدي الزمان ، وقد كان الزمان أميناً ووفياً لعلي ( ع ) فأوصلها لأصحاب الفكر والدراية ليتأملوا هذه النظرية الكاملة التي وضعت الحاكم والرعية وجهاً لوجه في ميزان العمل الصالح والمسؤولية المتبادلة ؛ ليتشارك الحاكم والمحكوم في بناء دولته ومؤسساتها . ولا تتكامل الدولة وتزدهر إلّا بالعدل والرحمة والمحبّة التي يندب لها عليّ ( ع ) ويشترطها في الحاكم والرئيس فيقول : وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم . فالحاكم في نظر عليّ ( ع ) مسؤول عن بناء الدولة القوية بما يوفره في ساحة هذه الدولة من بناء عاطفي يشدّ أركانها ويؤسس لها جدارات من العواطف والمودّة التي يبثّها في صفوف الناس ، فهي دولة متآلفة متراصة لا دولة عنف وتصادم وكبح ، فلذا لا يمكن اختراقها من قبل العدوّ أو تفتيتها ، لأنّ الإطار النيابي والدستوري يحميها ويصونها وهكذا أرادها عليّ ( ع ) كما تتّضح من رؤيتنا لها من قريب أو بعيد . ودولة علي ( ع ) هي دولة مؤسسات مبرمجة ، ولن يجد الباحث غمامة تمنعه من رؤية مؤسسات هذه الدولة وأجهزتها الحديثة في ثنايا هذه الكلمات التي كتبها علي ( ع ) إلى مالك الأشتر حيث تتضح معالم دولة ذات مؤسسات ووزارات مهمة تأخذ على عاتقها خدمة الأمّة والسهر على مصالحها ومنافعها في قوله ( ع ) : إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً . وقد نالت وزارة الدفاع والشؤون الحربية من الاهتمام المتزايد لعليّ ( ع ) بأن قال في حقّ منتسبيها : فالجنود بإذن الله حصون الرعيّة ، وزين الولاة ، وعزّ الدين وسبل الأمن . وقد أوصت رسالة عليّ ( ع ) برعاية الطبقات الاجتماعية المختلفة ، ممّا يعني أنّ اصطلاح الوزارة المعاصر بما يسمّى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، أو مؤسسة الضمان الاجتماعي ، ووزارة الزراعة والري والتجارة والصناعة وغير ذلك من المسميات الوزارية الحديثة قد بلورتها هذه الرسالة ، وكأنّ نظام الوزارات الذي عرفته الحضارات والدول التي قامت لم تكن تعرف هذه الوزارات بتسميتها الواقعية الحديثة التي لمّح لها علي ( ع ) والتي تعرفها الدول بهذه العناوين المتداولة في الوقت الحاضر . ويمكن للباحث هنا أن يرى الوزارات بمفهومها الخدمي الحديث والتي قد أمر